دوت يــمــن ( مـــقــالات ) :

 

كنز أوقاف بلادنا ...والمفاجأة الكبرى

الـد كـتـور / على مـنـصــور الــعــودي

خبير الاقتصاد والتطوير والابتكارله اهتمام خاص بتبني قضايا الحكومات

والاستثمارات العامة في بناء الاقتصاد

 

 

سنواتٌ من عمري ، كلها دارت حول فكرة وحيدة، لا أظن أننى حِدْت عنها يوما، وهي أن تكون اليمن جزءًا من عصرها لا تزيد، ولا تنقص. العصر يقوم على حزمة كبيرة من القيم والقواعد التي تنقل البلدان من حال إلى آخر، وباختصار من التخلف إلى التقدم دون اختراع جديد للعجلة التي جرى اختراعها منذ وقت طويل.

وللحق فقد كان للمقاومة لهذا المنطق منطقها الخاص الذي قام على أفكار «الخصوصية» أحيانا، والطريق الثالث أحيانا أخرى، وأن هذا هو سبيلنا، ونحن أولى به، ولا أحد يعلم من لديه أربعة آلاف عام من الحضارة شيئا جديدًا. لحسن الحظ أن مثل هذه الدعوات خفتت كثيرا خلال السنوات الأخيرة، بات واضحا أننا لا نتقدم كثيرا، وأن سيرنا سير السلحفاة، وأنه لا مفر من سؤال العالم كيف نفعلها، وعندما يجيب قد يكون هناك تململ من «روشتة» الصندوق، ولكن تحملها كان ممكنًا. هذه مفاجأة مثيرة لأن التخلص من تراث طويل من التخلف ليس بالأمر السهل، وخاصة فى الحالة اليمنية التي وصل الحال بها إلى أن التخلف بات موضعا للبهاء والفخر. هذه ليست قضيتنا على أي حال، فهناك عدة مفاجآت مثيرة أخص منها اثنتين لهما صلة بالقضية العامة التي تجعل اليمن جزءًا من عصرها، أولهما إغلاق «الشركات الفاشلة»، وأننا لن نكرر سيناريو الدخول في خسائر وضعف الأداء وعدم التطوير لأكثر من 30 سنة ، ولا بد أن يكون لدينا شجاعة اتخاذ قرار التصفية، وفي إشارة من تلك التي يفهما ( اللبيب ) في أنها إشارة واضحة أن قيمة بعض مصانع وشركات القطاع العام من الخردة أفضل كثيرا من قيمتها كوحدة اقتصادية. المفاجأة المثيرة الثانية هي أنه لا بد من عملية حصر أملاك «الأوقاف» حتى نعرف أن قيمتها الفعلية وعائدها، وقيمتها على ما أظن تتجاوز المليارات وظني أيضا أن العائد لا يزيد على ١٪ من القيمة تقريبا.

 

لماذا يعد حديثي مفاجأة مثيرة للجميع؟ ولماذا يجب حصر أموال الأوقاف مفاجأة مثيرة أيضا؟ ذلك يعود أولا إلى أنه على مدى العقود الماضية بات من الأمور المتعارف عليها مع تولى كل وزير أن تكون بدايته فيها الكثير من الوجل والتردد من استخدام كلمة «الخصخصة»، باعتبارها نوعًا من الشيطان الرجيم، والأخطر كان العمل على بقاء ذات القطاع العام من خلال عملية تعرف بعملية «إعادة الهيكلة» التي تنتهي في معظم الأحوال بعد تكلفة موجعة ببقاء الأوضاع على ما هي عليه واستغلالها من النهب ، أو تدهورها وتراكم الخسائر فيها.

 

ولذا فإن الاستعداد للتصفية هو البداية الصادقة للتعامل مع الموضوع، المعضلة في هذا الأمر والتي أرجو أن تراجعها الحكومة القادمة والمتمثلة بوزيرها أن القطاع العام كالمرض «الخبيث» قادر دائما على «التحول»، واختراع الأسباب ووضع العقبات، فهناك شركات تحت التصفية لسنين طوال عجاف، بها موظفون وعمال وأصول لها تكلفة، وكلهم باقون دون إنتاج أو عائد. وثانيًا أن الدهشة والمفاجأة في الحقيقة هي أننا لا نعرف أملاك الأوقاف في اليمن حتى يجرى حصرها، وهذه مفاجأة ستكون في حد ذاتها، ولكن أن نأتي متأخرين أفضل من ألا نأتي على الإطلاق، وطالما عرفنا أن لدينا مثل هذه الثروة فإن السؤال يبقى ماذا سوف نفعل بها؟ هذه حالة من الشفافية لإدارة ثروة محددة طائلة يكمن فيها ما يقارب ثلث الأموال الموجودة في جميع البنوك اليمنية منها شرعيا للأوقاف ومنها للأشخاص المتنفذين وإجمالى حجم الموازنة الطبيعية اليمنية في عام. وفي علوم الانتقال من التخلف إلى التقدم فإن إدارة الثروة، وليس إدارة الفقر هي المفتاح لكى تصبح اليمن جزءًا من عصرها.

ما يضع قضية القطاع العام والأوقاف اليمنية في نطاقها الصحيح ، هو عبر الترحيب والتسهيلات لجذب الاستثمارات اليمنية والعربية و الأجنبية؛ ولكنه فى ذات الوقت أطرح أمرًا بالغ الأهمية وهو حالة الاستثمارات القائمة بالفعل، حيث أجدها أولا أن حالتها التشغيلية أقل، وأحيانا أقل بكثير إنتاجًا وعائدا مما يجب؛ وثانيا أنها لا تلقى الاهتمام الكافي الذي يلقاه البحث عن استثمارات جديدة.

 

هنا تجتمع أمور عديدة مع بعضها، فلدينا قضية المصانع والشركات المتعثرة وهذه حارت الأقوام في عددها الدقيق، ولكنها كثيرة وكفى؛ وهناك قضية المؤسسات المعطلة للقطاع العام وهذه تشكل نزيفًا للاقتصاد القومي والموازنة العامة؛ وهناك قضية الهيئات العامة التي يفترض أنها إن لم تضف إلى القدرات الاقتصادية، فإنها ترفع الأعباء عنها، ولكن الحقيقة هي أنها لا تضيف، ولا ترفع، وهناك قضية الأصول السيادية المعطلة والتي أخيرا وربما كانت هذه هي مفاجأة مثيرة أخرى، بإيجاد حل جذري في شكل صندوق سيادي . كل ذلك مجتمعًا يشكل ثروات قومية كبيرة تبحث عمن يديرها ويستفيد منها، ويفيد منها الوطن كله. هي ببساطة جزء مهم من تعبئة الطاقات الوطنية التي تأخذ الدول لكي تعيش عصرها.

 

المهمة صعبة ولا شك، ولذلك كانت الحكومات والقيادات السياسية والاقتصادية ورجال الأعمال ووسائل جذب الاستثمارات التى تحول المعطل إلى مشتغل، والمتعثر إلى منتج، والمستورد إلى مصدر. هذا بالتأكيد ليس بديلًا عن الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص اليمني على النشاط، وتعبئة الموارد المحلية في المحليات، فالدخول إلى العصر له ثمنه وتكلفته، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة تبدأ من 8 ٪ لا يتحقق ما لم تكن هناك إدارة رشيدة وشجاعة للثروات الوطنية على تعدد أنواعها وأشكالها واتساع نطاقها. ولذلك، أيها الأخوة، لا تنتظروا كثيرا، ولا تتأخروا طويلا، ولا تعتقدوا أن مشروعًا جديدًا ربما يكون أفضل وأسرع من النظر إلى ما كان، فاليمن تحتاج كل ثرواتها أن توضع على طريق الاستثمار.